تطبيقات التتبُّع الإلكتروني الخاصة بـ «جائجة كورونا».. قد تهدد الخصوصية!

أثار تصريح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، بأنه لا توجد دولة واحدة في العالم لديها تطبيق تتبُّع خاص بوباء كوفيد-19 يعمل بكفاءة، جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام، خاصةً وأن هناك عشرات الدول التي تمتلك تطبيقات تتبُّع تعمل بكفاءة، بدءًا من أستراليا التي أطلقت تطبيقها “كوفيد سيف – CovidSafe” في 26 أبريل، وانتهاءً بألمانيا التي أطلقت تطبيقها منتصف يونيو الماضي، إذ قام بتحميله 10 ملايين مستخدم خلال أيام من إتاحته.

وتضع السمات الوبائية لكوفيد-19 المرض في منطقة يُعد فيها تتبُّع الاتصال “إستراتيجية فعالة للصحة العامة” قابلة للتطبيق. ووفق دراسات النمذجة الحديثة، فإن عزل الأفراد في الوقت المناسب وبالسرعة اللازمة يمكن أن يقلل معدل التكاثر الفيروسي لكوفيد-19 ويسيطر على عملية انتقال الفيروس. وعلى الرغم من أن معظم تطبيقات التتبع الرقمي تعمل بكفاءة، إلا أنها تواجه تحديات، منها سرعة الاستجابة والحفاظ على الخصوصية، كما تُظهر نتائج تقرير نشره باحثون من جامعتي أوكلاند وكوينزلاند، تناول سبل تحسين كفاءة تطبيق “كوفيد سيف” الأسترالي.

 وقد دفعت محاولات تفعيل عامل السرعة واضعي السياسات إلى التفكير في اعتماد تطبيقات تتبُّع الاتصال الرقمي السريع Digital Contact Tracing. تهدف هذه التطبيقات إلى تقليل حالات انتشار العدوى من خلال تحديد الأشخاص الذين حدث لهم تعرُّض أو مخالطة لأحد المصابين بفيروس كورونا، وإخبارهم بالخطوات القادمة التي قد تشمل إجراء الاختبارات أو الاتصال بالطوارئ، أو العزل المنزلي. ولكن هذه التطبيقات تحتاج إلى إثبات تفوُّق إيجابياتها مقابل سلبياتها الخاصة بالخصوصية والأمن.

ماهية تطبيقات التتبُّع وآلية عملها

لا تحتفظ التطبيقات ببيانات المستخدمين بشكلٍ واحد، بل تختلف باختلاف طبيعة التطبيق. يقول محمود صلاح -الموجّه في منصة يوداستي- في حديثه لـ”للعلم”: هناك نوعان من تطبيقات التتبُّع: مركزية ولامركزية. في التطبيقات المركزية، تحتفظ الحكومات ببيانات المستخدمين حتى يسهل الوصول إليها، ويتم تحليلها واستخلاص أية معلومات مفيدة. ويتابع: أما التطبيقات اللامركزية، فهي تنقسم إلى نوعين: الأول يتم فيه حفظ البيانات على هواتف المستخدمين دون أن تصل إليها أي جهة أخرى، والثاني يشبه النظام المركزي إلى حدٍّ ما، إذ يمكن للحكومة الوصول إلى هوية المصابين بكوفيد-19 دون الوصول إلى باقي البيانات، مثل المخالطين والأماكن الجغرافية.

ويستطرد: أما عن آلية التتبع، فتعتمد معظم التطبيقات المركزية على تقنية الجي بي إس لجمع البيانات والمعلومات الجغرافية، وهو ما فعلته تطبيقات الصين مثلًا؛ إذ يتم حفظ البيانات في خوادم الحكومة المركزية، ويجبَر المواطنون على استخدام تلك التطبيقات. أما النسبة الأكبر من التطبيقات اللامركزية فتعتمد على استخدام إشارات بلوتوث، ويتم حفظ البيانات بشكل مشفر على الهواتف الشخصية، أو في خوادم الحكومة مع تشفير معلومات المستخدمين الشخصية لإبقائها مجهولة.

تحدي السرعة

لا يعمل تطبيق “كوفيدسيف” الأسترالي بشكلٍ مؤتمت بالكامل، بل هو نسخة مطورة من تطبيقات التتبع اليدوية. تقول ريما فايثياناثان، مديرة مركز تحليل البيانات الاجتماعية في جامعة أوكلاند، والمؤلفة الرئيسية للتقرير: “وفقًا لبيان آلية عمل تطبيق أستراليا، فإن البيانات المخزنة على الهاتف تُستخدم لاستكمال عملية التتبع اليدوي”.

يتم تحميل تطبيق كوفيدسيف بشكلٍ تطوعي وغير ملزم للمواطنين، وبعد التحميل، يقوم المستخدم بإدخال الاسم، والسن، ورقم الهاتف، والرمز البريدي، ويبدأ التطبيق في العمل بخلفية الهاتف عند التحرك بتقنية بلوتوث. فمثلًا، عندما يمر شخصان بجوار بعضٍ، وكلاهما يمتلك التطبيق على هاتفه، يتم حفظ هذه البيانات على هاتفيهما، وتشمل البيانات التاريخ، والوقت، والمسافة، وزمن التواصل أو بقاء كلٍّ منهما في محيط مسافة معينة، وتُحفظ تلك البيانات بشكلٍ مشفر.

ووفق التقرير، يتمثل الدور الوقائي لتتبُّع الاتصال في العثور على جهات الاتصال الأولى المصابة، وعزلها لمنعها من إصابة الآخرين. وينجح أثر التتبُّع في الحد من عدد الإصابات من الدرجة الثانية الناتجة عن الاتصال بالحالات المصابة. لذا فإن قدرة وسائل تتبُّع الاتصال على إدارة الوباء معتمدة على عاملين رئيسيين: الأول هو رقم التكاثر الأساسي R0، وهو متوسط عدد الأشخاص الذين سينقل إليهم الشخص المصاب العدوى، والثاني هو نسبة العدوى التي تنتقل قبل ظهور الأعراض أو من مصدر مصاب بلا أعراض. وكلما زادت قيم هذين العاملين، كان من الصعب السيطرة على تفشي المرض. في حالة السارس، مع انخفاض هاتين القيمتين، أظهرت إجراءات العزل القياسية وإستراتيجيات تتبُّع الاتصال فاعليةً كبيرةً للغاية. وفي حال كانت قيمهما مرتفعة جدًّا، فلن تتمكن حتى إستراتيجيات العزل والتتبُّع الأكثر فاعليةً من احتواء الفيروس دون تدابير إضافية للتباعد الاجتماعي. ويُعد كوفيد-19 حالة وسيطة؛ لأنه يمتلك قيمة منخفضة لـR0 ولكنها مرتفعة إلى حدٍّ ما فيما يتعلق بالعامل الثاني، إذ لا يزال تتبُّع الاتصال يمثل إستراتيجية حيوية للصحة العامة، على أن يجري بسرعة استثنائية.

لفهم تأثير عامل سرعة التتبع على انخفاض معدلات العدوى، أنشأ معدُّو التقرير نموذجًا يعمل على حساب تأثير التأخر في تتبع المخالطين من حيث عدد الإصابات التي سببها المصاب الرئيسي قبل العزل، وذلك من اللحظة الأولى التي ظهرت فيها الأعراض. تأخذ المعادلة التي جرى تصميمها لهذا النموذج بعض المتغيرات في الحسبان، مثل فترة الاحتضان وهي الفترة بين حدوث الإصابة وظهور الأعراض، ومعدل التكاثر الأساسي، وعدد الحالات التي تنتقل العدوى إليها، وعدد الأيام التي تمر منذ ظهور الأعراض. تشير نتائج النموذج إلى أهمية سرعة الاستجابة في تتبُّع المصابين وعزلهم، فمثلًا عند افتراض أن معدل التكاثر الأساسي هو 2.5 -أي أن متوسط نقل العدوى من المصاب إلى غيره هو 2.5- وانخفاض التأخُّر في تتبُّع المصاب من أربعة أيام إلى يومين، يتم تجنُّب نقل العدوى إلى شخص إضافي، وهكذا كلما زادت سرعة التتبع قلَّت حالات العدوى.

التحدي الرئيسي الذي ناقشه التقرير أن التطبيق لا يعمل بشكلٍ آلي، فعندما يُصاب أحد مستخدمي التطبيق بفيروس كورونا المستجد، يعطي الموافقة أولًا على الإفصاح عن بيانات التطبيق المشفرة على هاتفه وإضافتها إلى خادم حكومي مركزي، ليرسل بعدها المسؤولون إشعارًا للأشخاص الذين تمت مخالطتهم بضرورة التوجه إلى الفحص أو إجراء العزل المنزلي.

ويشير التقرير إلى أن هذا التوجه يجب تغييره في تطبيقات التتبع، إذ من الأفضل الاستبدال بتطبيقات التتبع التي تعتمد إشعاراتها على عنصرٍ بشري، وإحلال تطبيقات أخرى رقمية مؤتمتة أي تعمل بشكل آلي بالكامل، تعمل على إشعار المخالطين بمجرد تأكيد حدوث الإصابة. يساعد هذا النهج المؤتمت بالكامل في التغلب على تحدي السرعة، إذ يتم إشعار المخالطين فورًا وإعلامهم بالخطوات التي يجب عليهم اتخاذها، وبالتالي تأمين سرعة العزل وتقليل عمليات الاختلاط قدر الإمكان.

الخصوصية ليست رفاهية

إن الواجهة البرمجية التي أعلنت عنها شركتا جوجل وآبل في أبريل الماضي هي أحد الحلول التي ساعدت في بناء تطبيقات تتبُّع سريعة ومكَّنت المطورين والحكومات من بناء تطبيقات تتبُّع لامركزية تعمل بتقنية بلوتوث على هواتف أندرويد وآيفون. يقول “صلاح”: “قامت بعض الدول ببناء تطبيقاتها اعتمادًا على منصتي جوجل وآبل، منها ألمانيا التي أطلقت تطبيقها مؤخرًا، وهو ما يساعد في التغلب على تحدي الخصوصية الذي تواجهه معظم هذه التطبيقات”. ويشير إلى أنه في حالة استخدام منصتي آبل وجوجل، يتم تسجيل المستخدمين بأرقام هوية فريدة غير حقيقية، تتغير كل 10 أو 20 دقيقة لضمان عدم معرفة هوية المستخدم الذي يظل مجهولًا حتى بالنسبة لآبل وجوجل. وعندما تحدث مخالطة وفق مسافة معينة بين بعض الأشخاص، تقوم هواتفهم بتسجيل بيانات المخالطة عبر إشارات بلوتوث، ويتم تحميل تلك البيانات بشكلٍ مشفر يوميًّا وتخزينها على هواتف المستخدمين. عندما يصاب أحد الأشخاص بالفيروس، يتم تحديده على التطبيق كمصاب، وفي تلك الحالة تعمل التطبيقات على البحث في جميع البيانات لمعرفة أرقام هويات الذين خالطوا المصاب وإشعارهم دون كشف هوية المصاب.

ومع ذلك، لا تُعد هذه التطبيقات آمنة بنسبة 100%، إذ يمكن إساءة استخدام بياناتها، كما يوضح محمد عبد الباسط، المؤسس ومدير الأمن السيبراني في شركة “سييكيوريتي” في حديثه مع “للعلم”. يشير “عبد الباسط” إلى أنه بالرغم من استخدام جميع الوسائل التي تضمن عدم الكشف عن هوية المستخدمين وعدم تتبُّعهم، إلا أنه يمكن إساءة استخدام تلك التقنية باستخدام أجهزة الكمبيوتر صغيرة الحجم مثل “راسبيري”، من خلال إرسال إشارات بلوتوث زائفة إلى هواتف أندرويد وآيفون تفيد بأن شخصًا مصابًا مر بالقرب، وهو ما يؤثر في النهاية على دقة المعلومات ونزاهتها. وبالرغم من عدم تسجيل أي حادثة شبيهة، إلا أن جوجل وآبل لديهما تخوفات من إساءة استخدام التقنية، وهو ما أدى إلى قرارهما بتعطيل معلومات الموقع للحفاظ على خصوصية المستخدمين.

لا تمثل مشكلات الخصوصية عائقًا أمام التطبيقات الإلزامية التي يجب على جميع المواطنين استخدامها كما هو الوضع في الصين، إلا أنها تصبح إحدى النقاط الأساسية التي تجري مناقشتها عند طرح تطبيقات التتبُّع في دول تعطي مواطنيها الحرية في تحميل التطبيق واستخدامه أو الامتناع. في تلك الحالة، وفقًا للتقرير، يجب على الحكومة الاستثمار في برامج التوعية للمواطنين وتوضيح فوائده ومميزاته على المستويين الفردي والشعبي، فكلما زادت الثقة بين الشعب والحكومة، كثُر عدد مرات تحميل التطبيق واستخدامه، وحقق الهدف منه.

المشاركة المجتمعية والصالح العام

في هذا الإطار، توصلت جلسة نقاشية دولية عُقدت حديثًا، وجمعت 8 دول منها المملكة المتحدة، وألمانيا، ونيوزيلندا، حول التحديات التي تواجه ارتفاع معدلات تحميل التطبيق واستخدامه، إلى أن الحكومات يجب عليها الالتزام بتوضيح المعايير التي تستند إليها تلك التطبيقات، ومخاطبة المخاوف التي قد تطرأ لدى المستخدمين، إذ يشعر المستخدمون براحة أكبر عندما يتلقون ردًّا على مخاوفهم، وتُستخدم البيانات بالطرق التي وافقوا عليها مسبقًا، مما يجعلهم أكثر ميلًا إلى تقبُّل استخدام تلك التطبيقات، وهو ما يُعرف بمصطلح “الترخيص الاجتماعي”.

وتُعد المشاركة المجتمعية عنصرًا رئيسيًّا في تحقيق الترخيص الاجتماعي، من خلال توفير المعلومات بوضوح، ومخاطبة المخاوف، والإسهام في تصميم التطبيقات وبنائها، إلا أن سرعة التغيرات الحالية فيما يتعلق بكوفيد-19 مصحوبةً بالتوجهات السياسية لبعض الدول، وكذلك القيود التشريعية أسهمت في انخفاض محاولات المشاركة المجتمعية، وبالتالي الحصول على ثقة المستخدمين.

أحد العوامل التي تسهم في ارتفاع معدل استخدام تلك التطبيقات أيضًا، ما يُعرف باسم “الصالح العام المحلي”، ويعني أن الفائدة التي يحصل عليها المستخدم من التطبيق وتؤدي إلى زيادة تحميله وسط العلاقات الاجتماعية المباشرة (شبكة العائلة والعمل) بدلًا من زيادة التحميل على المستوى الوطني. فمثلًا، إذا استخدم مجموعة أصدقاء تطبيق تتبُّع ما، فإن معدلات العدوى ستقل على نحوٍ ملحوظ بين هذه المجموعة، حتى لو كان معدل استخدام التطبيق على المستوى الوطني محدودًا.

أحد التحديات التى تواجهها هذه التطبيقات يتمثل في المصداقية، إذ في معظم الحالات يتم تحميل التطبيق، ولا يحصل المستخدم على أي إشعار من التطبيقات خلال فترات زمنية طويلة، لدرجة قد تصل إلى الشك في كون التطبيق يعمل من الأساس، وهذا الأمر شائع نظرًا إلى أن التطبيق لن يعطي إشعارًا إلا في حالات المخالطة، سواءٌ كان الإشعار متمثلًا في العزل المنزلي، أو الذهاب إلى الفحص. في تلك الحالة، يكون هناك غياب واضح للأدلة على فوائد التطبيق بالإضافة إلى انخفاض معدلات التحميل، وهو ما قد يؤثر في قرارات التحميل على المستوى الوطني مع احتمال ظهور حالات من انعدام الثقة بالبيانات الحكومية وقراراتها في مواجهة الجائحة. لذا، من الأفضل أن توضح الحكومات فوائد التطبيق التي يمكن دعمها بالأدلة الواضحة في أثناء عملية الترويج، مع الالتزام بعمليات التقييم المستمرة التي توضح للمستخدمين مدى التأثير الذي حدث منذ استخدام التطبيق مثل انخفاض معدلات العدوى، مما سيؤدي إلى زيادة المصداقية، وبالتالي زيادة مرات التحميل.

تطبيقات التتبع عربيًّا

بعض الدول العربية أصدرت تطبيقات تتبُّع خاصة بفيروس كورونا، مثل تطبيق “مجتمع واعي” في البحرين، وتطبيق “شلونك” في الكويت، وتطبيق “احتراز” في قطر، وتطبيقَي “توكلنا” و”تباعد” في السعودية، وتطبيق “إحمي” في تونس، وتطبيق “تتبع كوفيد” في الإمارات. كما أطلقت مصر أيضًا تطبيق “صحة مصر”، إلا أنه لا يمكن تصنيفه ضمن فئة تطبيقات التتبع؛ إذ يساعد التطبيق فقط في إشعار المستخدمين بمناطق العزل أو الإصابات، وبعض النصائح لمواجهة جائحة كورونا، والإبلاغ عن حالات الإصابة أو الاشتباه.

وبالرغم من كثرة التحديات التي تواجه تطبيقات التتبع، كسرعة الاستجابة، والتأثير، والحفاظ على الخصوصية، إلا أنها تظل وسيلةً مهمةً لمكافحة انتشار فيروس كورونا، خاصةً وأن معظمها يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتطوير الردود والإشعارات، وإعطاء صناع القرار معلومات قيمة، مثل متوسط زمن الاختلاط الذي قد تحدث فيه العدوى، ومسافة التواصل المؤثرة، وغيرها من المعلومات التي يمكن الوصول إليها من خلال تحليل البيانات.